محمد أبو زهرة
1820
زهرة التفاسير
وإن هذا النص يوجب على المؤمن أن يعيش عزيزا كريما ، تكون قوته للمؤمنين ، وعليه أن يجاهد في ذلك ، وإن لم يفعل فقد جنى على نفسه مرتين : إحداهما بهوان الدنيا ، والثانية بعذاب الآخرة . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا هذا استثناء من المصير الذي سيئول إليه هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم ، وهؤلاء هم ضعفاء حقا ، فقد استضعفهم الأعداء وأرهقوهم ، ولم تكن عندهم قوة تمكنهم من الإفلات من بقائهم في أرضهم وخروجهم إلى أرض الإسلام . أولهم : ضعفاء الرجال من الشيوخ الفانين ، والمرضى وذوى العاهات ، ونحوهم ، ومن هؤلاء من كان لا يرضى بالذلة ولو فنى بالطريق ! ويروى أنه لما نزلت هذه الآية بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسلمى مكة ، فقال ضمرة بن جندب لبنيه : احملونى ، فإني لست من المستضعفين ، وإني لأهتدى إلى الطريق ، والله لا أبيت ليلة بمكة ! . فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة ، وكان شيخا كبيرا ، فمات في الطريق ! . والصنف الثاني : النساء اللائي لا يستطعن الخروج ، إما لثقلهن بالأولاد ، وإما لخشية أمن الطريق ، وإما لعدم وجود زوج يصحبها ، ولا ذي رحم محرم يكون معها في الطريق . والصنف الأخير : الولدان ، وقد قال بعض المفسرين : إنهم العبيد ونحوهم ، وذلك القول ليس بشيء ، والأصح أنهم الصبيان ، ويقول الزمخشري : إنهم الذين تجاوزوا الحلم قريبا . ويصح أن يكون المراد هؤلاء والأولاد الذين يتبعون آباءهم ، أو الذين ليس لهم آباء يتبعونهم ، وهم بهذا الضعف غير مسئولين ، واستثناؤهم لعدم تكليفهم أو لأنهم لا قوة لهم على تفسير الزمخشري ؛ إذ إن ضعف الصبا لا يزال بهم ، إذا كانوا قد بلغوا الحلم ، ولم يدخلوا في دور الرجولة .